عندما يتحول الضمير إلى جلاد: الشعور بالذنب

عندما يتحول الضمير إلى جلاد: الشعور بالذنب
كعادة المشاعر الإنسانية، يحمل الشعور بالذنب وجهين متضادين : وجه الحماية والتنبيه، ووجه التهديد والخوف .


في أصله، يُعد الذنب استجابة صحية وعاطفية تعمل كبوصلة أخلاقية ” تُنبهنا عند تجاوز الحدود أو إلحاق الضرر بالآخرين.
ولكن حين يخرج عن مساره الطبيعي، يتحول إلى سوط يطارد صاحبه تحت مسمى “اليقظة الأخلاقية”، ليُفسد حياته ويؤرقه، ومُحولاً الضمير من مرشد هادئ إلى سجن نفسي مظلم


متى تبدأ المشكلة ؟


تبدأ الأزمة النفسية عندما يتوقف الشعور بالذنب عن كونه استجابة مؤقتة تهدف إلى تعديل السلوك أو إصلاح الخطأ، ويتحول إلى شعور مزمن وممرض.
في هذه الحالة، يلتهم الذنب استحقاق الفرد للراحة والسعادة ورضاه عن ذاته، ويدخله في محاكمة عقلية لا تنتهي لكل تصرف أو سلوك، مع تشكيك مستمر في أفعاله ودوافعه .


كيف نميز بين الذنب النافع )المنبه( والذنب الممرض )الجلاد( ؟


للتفرقة بين الاستجابة الصحية والاضطراب النفسي، يمكن التمييز بين النوعين كالتالي :
•
الذنب الحقيقي )النافع(
: يرتبط بفعل خاطئ ملموس وحقيقي قام به الشخص. تكون غايته مراجعة النفس، وتدفعه نحو
الاعتذار وإصلاح الخطأ، ثم يزول بعد اتخاذ الإجراء التصحيحي .

الذنب الممرض
: يكون مجهول السبب، أو يرتبط بمسؤولية زائفة عن أمور خارجة تماما عن إرادة الفرد وسيطرته.
يدفعه هذا الشعور نحو جلد الذات الممتد، والانسحاب الاجتماعي، والخوف المستمر .
من هم الأشخاص الأكثر عرضة للشعور المزمن بالذنب ؟
تتعدد الاسباب النفسية التي تساعد على نمو هذا الشعور، ومن أبرزها :
1
. التربية والنشأة الأولى : الأسر التي تعتمد على اللوم المستمر والابتزاز العاطفي، فيكبر الطفل وهو يحمل شعوراً داهما بأنه السبب في مشاكل الآخرين أو عدم رضاهم .
2
. ذنب الناجي ): ينشأ عندما يعيش الشخص في بيئة أكثر أمانا أو نجاحا أو سهولة مقارنة بأقرانه أو عائلته، أو عندما ينجو
من أحداث صعبة وما زال الآخرون يعانون، فيشعر ب “عدم استحقاق” الأمان أو السعادة .
3
. المسؤولية المفرطة عن الآخرين : الاعتقاد الخاطئ بأن الفرد مسؤول مسؤولية كاملة عن مشاعر المقربين منه
واسعادهم .
4
. الاضطرابات النفسية : يتصاعد الاحساس بالذنب ولوم الذات كعرض رئيسي في بعض الاضطرابات مثل اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD) والاكتئاب .

خطوات للتعامل مع مشاعر الذنب

للتغلب على الجلاد الداخلي واستعادة التوازن النفسي، يمكن اتباع الخطوات التالية :
  1. الوعي والتمييز
    توقف واستجوب فكرتك : ” هل هذا الذنب مرتبط بخطأ حقيقي قمت به، أم هو مجرد أفكار ومعايير صارمة وضعتها لنفسي؟ “
  2. تحمل المسؤولية الحقيقية فقط
    استخدم أداة ” دائرة التحكم ” ؛ افصل بوضوح بين ما هو مسؤوليتك المباشرة، وبين الأمور الخارجة عن نطاق إرادتك وسيطرتك .
  3. تحويل الذنب إلى إصلاح
    إذا كان هناك خطأ حقيقي بالفعل، انتقل فوراً من العقاب الذاتي والاجترار الفكري إلى خطوة عمل تصحيحية ملموسة، ثم إغلاق
    الملف .
  4. ممارسة مهارة التعاطف مع الذات
    بدّل لغة الحوار الداخلي؛ استبدل صوت القاضي الصارم والمحقق بصوت الصديق الداعم والمتفهم للضعف البشري .
  5. التفرقة بين الذنب والخزي (Guilt vs. Shame)
    فرق بين تقييم السلوك وتقييم الذات :
    •
    الذنب : ” لقد قمت بفعل أو تصرف سيء ” ( السلوك هو السيء ويمكن تعديله
    •
    الخزي : ” أنا شخص سيء ” ( وهو حكم هدام يطال جوهر الذات ويغذي جلد النفس
    وفى النهايه إن رحلة التعافي من الذنب المزمن لا تعني التخلي عن الضمير أو المبادئ
    الأخلاقية، بل تعني إعادة الاستجابة لإنسانيتنا المتواضعة، وإدراك أن الخطأ طبيعة
    بشرية تُعالج بالإصلاح لا بالعقاب الممتد
بقلم: هبة غنيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *