الأمان المشوّه: لماذا نتمسك بالألم المعتاد؟

الألم المعتاد

الأمان المشوّه: لماذا نتمسك بالألم؟

ثمة جملة سمعتها منذ ثماني سنوات غيّرت نظرتي تماماً لرحلة التعافي، وهي: “لأمان المشوّه في الألم المعتاد”
من واقع عملي مع الناجين من الصدمات والاضطرابات النفسية، لاحظتُ أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في “التعافي”، بل في تقبّل فكرة “الأمان” نفسها؛ فالعقل أحياناً يبني حصوناً من الألم المألوف ليحمينا من أمان مجهول. واليوم، أكتب عن مفهوم (الأمان المشوّه)، وكيف نفك الارتباط بين الإيذاء والحب.
أولاً: الألفة بدلاً من الراحة
الإنسان بطبيعته يميل إلى ما هو “مألوف”، وليس بالضرورة أن يكون المألوف مريحاً. فإذا نشأ الشخص في بيئة يسودها الإيذاء والانتهاك، يصبح الألم والمعاناة هما البيئة المعتادة بالنسبة له. هذه البيئة تصبح منطقة الأمان الخاصة به لأن جهازه العصبي اعتاد على الخطر. وبالتالي، يصبح الأمان الحقيقي فخ مجهولً، مما يجعل الشخص يخشى الاقتراب منه.
• مثال: الطفل الذي اعتاد الضرب من مقدمي الرعاية مع رسالة مفادها أن هذا لمصلحته، سيربط ذهنياً بين الحب والانتهاك، ويصبح هذا النمط هو المعتاد لديه.
ثانياً: كيف يتصرف الجهاز العصبي؟
في حالات الصدمات، يعتاد الجهاز العصبي على مستويات عالية من هرموني (الأدرينالين والكورتيزول) ليبقى في حالة تأهب وقلق دائم. وعندما يختبر الشخص حالات الأمان والراحة، يشعر بهدوء شديد غير مألوف، فيبدأ بتخريب هذا الهدوء والبحث عن الألم المعتاد ليستعيد تلك الراحة المشوّهة التي اعتاد عليها جسده قديماً.
ثالثاً: السيطرة الوهمية
غالباً ما يختار الذين تعرضوا للإيذاء الألم المعتاد لأنهم يعتقدون أن توقع الألم الدائم يخلق نوعاً من الاستعداد النفسي، ويعمل كحصن ضد المفاجآت. هي وسيلة دفاعية من وجهة نظر الشخص لحمايته وتحصينه من طعنات غير متوقعة.
رابعاً: كيف تتأثر وظائف العقل بالصدمة؟
حين نمر بحدث صادم، يمتد التأثير ليشمل الإدراك والذاكرة؛ فالصدمة هي هزة قوية للدماغ تجعل وظائفه في حالة استنفار دائم:
• تشتت التركيز والانتباه: يصبح العقل مثل الرادار الذي يعمل بحثاً عن أي تهديد، فتُستهلك طاقة الدماغ في مهمة الحماية ويصعب التركيز في أي عمل أو دراسة.
• ضبابية الذاكرة: أثناء الصدمة، لا يستطيع المخ تسجيل الحدث بشكل مرتب، فتظهر صور ذهنية مفاجئة ومضطربة (Flashbacks)، مما يسبب تشوشاً في تسلسل الأحداث.
• صعوبة اتخاذ القرار: العقل الغارق في الترقب والخوف يجد صعوبة بالغة في اتخاذ أبسط القرارات، ويظل أسيراً للتردد الدائم.

الخلاصة
هي حيلة للدفاع عن أمان غير حقيقي خلقها العقل لكي يدافع ويحمي ويحافظ على الشخص من المجهول.
التعامل مع ذلك يكون بفك الربط بين الاعتياد على الإيذاء وربطه بالحب والأمان، وبين الحب والأمان الحقيقي.

كيف نبدأ رحلة التحرر؟
إن كسر حلقة الأمان المشوّه واستعادة كفاءة العمليات الإدراكية لا يحدث بمجرد التمني؛ نحن بحاجة إلى زيارة شجاعة للماضي، ولكن بشروط جديدة تتسم بالوعي والأمان الحالي.
إذا كنت تشعر أنك أسير لآلامك المعتادة، أو أن وظائفك الإدراكية لا تزال متأثرة بظلال الماضي، فإننا نقدم لك برنامجاً علاجياً متخصصاً ومجانياً لعلاج الصدمات النفسية (Ilajnafsy).
هذا البرنامج مصمم ليساعدك على:
1. التعامل مع الحدث الصادم من جديد: برؤية تتسم بالوعي والإدراك، بعيداً عن الرؤى المشوهة أو الخوف المستمر.
2. إعادة بناء الأمان: التعرف على مفهوم الأمان الصحي وكيفية تطبيقه في حياتك اليومية.
3. استعادة جودة الحياة: لتمكينك من ممارسة حياتك الجديدة والتعامل مع مسؤولياتك بكفاءة واتزان.
تذكر دائماً: الماضي لا يمكن تغييره، ولكن يمكننا تغيير الطريقة التي يسكن بها داخلنا. التعافي ممكن، والخطوة الأولى تبدأ من شجاعة المواجهة.

بقلم: هبة غنيم
للمتابعة عبر LinkedIn:
https://www.linkedin.com/in/heba-goname-47799130
8/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *